الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
134
نفحات القرآن
الحقيقة كأنّه يواجِهُ حقيقةً غيرَ التي سمعها سابقاً ويجد نفسه أمام صورة جديدة من صور تلك الحقيقة ، فلا يصبح تكرارها مملًّا أو غير نافعٍ له ، فالإنسان يتلقّى دروساً جديدة باستمرار ، ونحن نشاهد في مسألة احياء الأرض الميتة في الآيات المعنيّة بالبحث نموذجاً لذلك . ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم في هذه الآية التي عطفها على مسألة التطورات الجنينية يؤكد على أنّحياة الإنسان والحيوان والنبات تقع جميعها تحت مقولة واحدة ، وكل نموذج نراه ونلمسه في هذه الثلاثة ، يكون دليلًا على إمكان المعاد لغيرها من المخلوقات ، فالتعبيرُ ب « ترى » كالتعبير ب « انظر » في الآية السابقة وكلاهما للتأكيدِ على أنّ قيامة النباتات أمرٌ محسوس ومشاهد . و « اهتزّت » : من مادة « اهتزاز » المشتقّة من « هزّ » بمعنى الحركة الشديدة ، وفسّرها البعض بمعنى الحركة الجميلة الجذّابة ، وقد جاءت هنا للدّلالِة على التغيرات الجميلة والحركات المختلفة التي تحصل بفعل نمو أنواع النباتات التي تظهر على سطح التربة . و « رَبَتْ » : من مادة « ربوّ » وجاءت هنا بمعنى نموّ الأرض لا نمو النباتات ، والمراد من نمو الأرض هنا هو بروز اجزاء من التربة بفعل خروج النباتات وتوغّل الجذور وظهور سيقان النباتات ، أمّا الذين فسّروا هذه الجملة بأنّها تدلّ على نموّ النباتات فإنّهم في الحقيقة غفلوا عن مفاد الجملة المتأخرة عنها ، لأنّه تعالى يقول : « وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوجٍ بَهِيجٍ » . وتحمل الآية الخامسة في طيّاتها نفس محتويات الآية السابقة ولكنّها تختلف عنها بعدّة أمور : أولًا أنّها اعتبرت احياء الأرض الميتة دليلًا على أصل التوحيد بالإضافة إلى دلالتها على المعاد ، قال تعالى : « وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ » ، ( إِنَّ الَّذِى أَحيَاهَا لُمحْىِ الْمَوتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شىٍء قَدِيرٌ » . وثانياً عبّرت عن الأرض الميتة ب « الخاشعة » ، قال في « الميزان » هي الأرض القاحلة ،